علي بن محمد البغدادي الماوردي

71

النكت والعيون تفسير الماوردى

الرابع : هو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا ، قال الضحاك : لأنه أول الشدائد ، كما قال الراجز « 95 » : قد كشفت عن ساقها فشدّوا * وجدّت الحرب بكم فجدوا . فأما ما روي أن اللّه تعالى يكشف « 96 » عن ساقه فإن اللّه تعالى منزه عن التبعيض والأعضاء وأن ينكشف أو يتغطى ، ومعناه أنه يكشف عن العظيم من أمره ، وقيل يكشف عن نوره . وفي هذا اليوم ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه يوم الكبر والهرم والعجز عن العمل . الثاني : أنه يوم حضور المنية والمعاينة .

--> ( 95 ) فتح القدير ( 5 / 275 ) والقرطبي ( 18 / 248 ) . ( 96 ) وهو حديث صحيح لا يصح تصديره بصيغة التمريض التي تشعر بضعفه فقد رواه البخاري ( 13 / 359 ) ومسلم ( 1 / 168 ) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا ورواه البخاري مختصرا ولفظه « يكشف ربنا عن ساقه » الحديث هكذا بالإضافة ثم اعلم أيها القارئ الكريم إن هذه الآية من الآيات المتشابهة التي يجب على كل مسلم أن يؤمن بها كما نزلت من غير تعطيل ولا تجسيم وكما قال تعالى عن نفسه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وكان السلف يمرونها كما نزلت فالمجسمة يتركونها على ظاهرها من غير تفويض وتسليم وتنزيه لا بل يعتقدون الجارحة للّه تعالى والعياذ باللّه تعالى . ولقد صدق الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية بقوله « ومن وصف اللّه بمعنى من معاني البشر فقد كفر » وقد قال الإمام الغزالي رحمه اللّه تعالى « لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود » أي معرفة صفاته الواردة في الكتاب والسنة . فكيف تصح عبادة مجسم ينسب الجارحة للّه تعالى ولا يفوض النصوص القرآنية إلى اللّه تعالى مع الإيمان التام بالتنزيه وما أحسن ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل والإمام الزاهد ذي النون المصري رحمهما اللّه تعالى أنهما قالا « مهما تصورت ببالك فاللّه بخلاف ذلك » لأن التصور ينشأ عن الصور والخيالات واللّه سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة كل المخلوقات ولقد ثبت أن اليهود قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صف لنا ربك يا محمد فأنزل اللّه عليه سورة الإخلاص . وأما تأويل الكشف عن الساق بالكشف عن نوره فقد ورد ذلك في حديث مرفوع رواه أبو يعلى وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات ص 348 ولكن سنده ضعيف ففي سنده روح بن جناح . وقال البيهقي بعد اخراجه ص 348 تفرد به روح بن جناح وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها واللّه أعلم . قلت وقد رواه روح عن مولى عمر بن عبد العزيز وقال ابن حبان فيه إن « روح » منكر الحديث جدا يروي عن الثقات ما إذا سمعه الانسان شهد له بالوضع والمولى الذي يروي عنه مجهول . قلت ولهذا قال البيهقي : « وموالي عمر بن عبد العزيز فهم كثر » . يعني إشارة إلى أنه لم يدر حال هذا المولى فهو مجهول . واللّه أعلم .